عباس حسن

415

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

والإشارة المثناة راجعة إلى اليد والعصا قبل هذه الآية « 1 » ، وهما مؤنثتان ، ولكن المبتدأ هنا مذكر لتذكير الخبر ، ومثله قوله تعالى : ( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ) . . . فاسم الإشارة : ( هذا ) مذكر ، مع أن المشار إليه - وهو : الشمس - مؤنث ، فحق الإشارة إليها أن تكون باسم إشارة للمؤنث مثل : « هذه » . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما وجه التذكير ؟ قلت : جعل المبتدأ مثل الخبر ، لكونهما عبارة عن شئ واحد ؛ كقولهم : « ما جاءت حاجتك » ؟ « 2 » أي : ما صارت حاجتك ؟ - ومن كانت أمّك ؟ . . . - ومثل هذا ينطبق على الآية السابقة وهي : ( هذا ربى ) . على أن التذكير في هذه الآية واجب ، لصيانة « الرب » عن شبهة التأنيث لو قيل : « هذه ربى » . ألا تراهم قالوا في صفة « اللّه » : « علّام » ، ولم يقولوا : « علّامة » - وإن كان « العلّامة » أبلغ - ؛ احترازا من علامة التأنيث . اه ببعض اختصار ومن تأنيث المبتدأ المذكر مراعاة لتأنيث الخبر قراءة من قرأ قوله تعالى : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) بالتاء في أول المضارع : « تكن » لتأنيث اسم الناسخ ؛ وهذا الاسم هو المصدر المنسبك المتأخر ، وهو في أصله مذكر ، ولكنه أنّث موافقه للخبر المتقدم ، وبسبب تأنيث هذا الخبر أنّث الفعل « تكن » . وإذا كان الخبر دالّا على تقسيم أو تنويع جاز عدم مطابقته للمبتدأ في الإفراد وفروعه ؛ نحو : الصديق صديقان ، مقيم على الود والولاء ، وتارك لهما ، والإخاء إخاءان ، خالص للّه ، أو لمغنم عاجل . وكقولهم : المال أنواع ؛ محمود الكسب ، محمود الإنفاق ؛ وهذا خيرها . وخبيث الثمرة خبيث المصرف ؛ وهذا شرّها ، وما اجتمع له أحد العيبين وإحدى المزيتين ؛ وهو بمنزلة بين المنزلتين السالفتين . وقد تختلف المطابقة بين المبتدأ المتعدد الأفراد والخبر المفرد إذا كان المبتدأ متعدد الأفراد حقيقة ، ولكنه ينزّل منزلة المفرد ؛ بقصد التشبيه ، أو المبالغة ، أو نحوهما ؛ سواء أكان بمنزلة المفرد المذكر أم المؤنث ، وقد اجتمعا في قولهم :

--> ( 1 ) راجع ما قاله أبو حيان في البحر عند تفسيره الآية ، ح 7 ص 118 ( 2 ) بيان هذا الأسلوب وإعرابه في هامش رقم 1 من ص 505